وهبة الزحيلي
19
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المفردات اللغوية : تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ تردد نظرك مرة بعد مرة في جهة السماء ، طلبا للوحي ، وتشوقا للأمر باستقبال الكعبة ، وكان يودّ ذلك ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليه السّلام ، ولأنها أدعى إلى إسلام العرب ، ولأن اليهود كانوا يقولون : يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا . فَلَنُوَلِّيَنَّكَ فلنوجهنك جهتها ، وهذا يدل على أن في الجملة السابقة حالا محذوفة ، التقدير : قد نرى تقلب وجهك في السماء طالبا قبلة غير التي أنت مستقبلها . فَوَلِّ وَجْهَكَ تولية الوجه المكان : جعله قبالته وأمامه ، والمراد بالوجه : جملة البدن ، أي استقبل بوجهك في الصلاة نحو الكعبة . شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وجهته أو ناحيته ، وسميت الكعبة بالمسجد الحرام إشارة إلى أن الواجب على البعيد مراعاة الجهة ، دون عين الكعبة : لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد ، كما قال الزمخشري . بِكُلِّ آيَةٍ أي بكل برهان وحجة . أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها ، مفرده : هوى ، وهو الإرادة والمحبة . الْمُمْتَرِينَ الشاكين . تاريخ النزول : اختلف العلماء في تاريخ نزول هذه الآيات : فقال ابن عباس والطبري : هذه الآية متقدمة في النزول على قوله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ « 1 » ، ويؤيده ما رواه البخاري عن البراء بن عازب في الحديث المتقدم ، قال : قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة ، فصلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهرا ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحب أن يتوجه نحو الكعبة ، فأنزل اللّه تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ . فقال السّفهاء من الناس ، وهم اليهود : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ فقال تعالى : قُلْ : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ . وقال الزمخشري : إن هذه الآية متأخرة في النزول والتلاوة عن قوله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ ويكون ذلك للإخبار بمغيّب قبل وقوعه ، يحدث من
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 2 / 158